بيانات وتصريحات

ماذا بعد تفجيرات الريحانية؟

عدنان بدرالدين عدنان بدرالدين
نقلت وسائل الإعلام التركية عن مصادر أمنية في البلاد قولها أن الأشخاص التسعة الذين إعتقلوا اليوم لإشتباههم في تنفيذ التفجير المزدوج الذي ضرب بلدة الريحانية الحدودية مع سورية هم مواطنون أتراك على صلة بأجهزة الأمن السورية. وقالت ذات المصادر التي لم يتم تحديدها بالإسم

أن خمسة من المعتقلين ينتمون إلى  - حزب التحرير الشعبي الثوري /الجبهة ،  في أن حين الأربعة الآخرين هم أعضاء في منظمة تطلق على نفسها تسمية "العاجلون" ، هي في الواقع فصيل إنشق عن – حزب التحرير الشعبي التركي ويتزعمه مواطن تركي من لواء إسكندرون يدعى معراج أورال المعروف بإسمه الحركي علي الكيالي الذي كانت صحيفة التايمز الإنكليزية قد حملته مسؤولية مجازر بانياس الأخيرة التي راح ضحيتها حوالي 800 مدني من سكان المدينة ، كلهم من الطائفة السنية. وكلا الفصيلين هما إمتداد لليسار التركي المتطرف الذي أسسه وتزعمه – دينيز گزميش – في بداية السبعينييات من القرن المنصرم قبل أن يعدم مع كوكبة من رفاقه في 6 أيار – مايو – عام 1972 على يد الجونتا العسكرية التي جاءت إلى سدة الحكم بعد إنقلاب 12 آذار – مارس - عام 1971  . ويعرف عن هاتين المنظمتين ، عدا عن توجهاتهما الماركسية – اللينينة المتطرفة ، كون معظم أعضائهما ينحدرون من الطائفة العلوية التي يناهز عددها في تركيا خمسة عشر مليونا ، كما يعرف عنهما علاقاتهما الوثيقة مع نظام لأسد الأب والإبن ، وخاصة أجهزة مخابراته التي تقول السلطات التركية أنها بدأت تعتمد عليهما ، وعلى غيرهما من المنظمات اليسارية المتطرفة التي تنشط في تركيا بصورة متزايدة ، بعد مفاوضات الحكومة التركية الأخيرة مع زعيم حزب العمال الكردستاني.

وكان وزير الداخلية التركي – معمر غولر – أعلن إثر وقوع التفجيرين بأن "سورية هي المشتبه الطبيعي" في القضية قائلا أن "المنظمة التي نفذت العملية لها صلات وثيقة بالمجموعات الموالية للنظام السوري وأقول بوضوح تام مع المخابرات السورية" مضيفا أن " 735 متجرا ، و62 سيارة ، و120 منزلا ، و8 مكاتب حكومية تضررت من الإنفجارين". وتشير آخر الإحصائيات المتوفرة إلى أن الإنفجارين الذي فصل بينهما حوالي ربع ساعة أديا ، حتى كتابة هذه السطور ، إلى مقتل 46 شخصا ، بينهم ثلاثة مواطنين سوريين ، وإصابة 140 آخرين جراح 25 منهم خطيرة. والجدير بالذكر أن هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها ، وإن كانت الأفظع ، التي تعرضت لها تركيا في غضون السنتين المنصرمتين ، إذ كانت سيارة نقل صغيرة إنفجرت في معبر – باب الهوى – القريب من مدينة الريحانية في شباط من العام الجاري مما أدى إلى مقتل 14 شخصا وإصابة العشرات ، كما أن قذيفة هاون إطلقت من داخل الأراضي السورية كانت قد أودت في تشرين الأول – أوكتوبر – من العام المنصرم بحياة عدد من مواطني تركيا في بلدة – آقچا قالا – المحاذية للحدود السورية ، بالإضافة إلى إسقاط طائرة إستطلاع تركية فوق المياه الإقليمية التركية. وكانت إنقرة قد  دأبت على ممارسة"سياسة ضبط النفس حيال الإستفزازات السورية المتكررة" ، لكن الآثار المدمرة للإنفجارين الأخيرين قد تدفع حكومة رجب أردوغان الإسلامية إلى التخلي عن سياستها هذه ، واللجوء إلى أساليب أكثر حزما حيال  إستفزازات النظام السوري الذي بات واضحا أنه يسير ، وبمزيد من الإصرار ، على طريق نقل المعركة إلى خارج حدود سورية في كافة الإتجاهات  في سبيل حل أزمته الوجودية في صراعه المرير مع شعبه ، ليس بدون دعم ومشاورة حلفائه وعلى الخصوص في روسيا وإيران.

وزير الإعلام السوري عمران الزعبي حمل الحكومة التركية مسؤولية ماآلت الأمور في الداخل التركي ، بما في ذلك حادثة الريحانية المروعة بالقول أن " بأن سورية لم ولن تقدم على هكذا تصرف لأن قيمنا لاتسمح بذلك (كذا)...ليس من حق أحد أن يطلق الإتهامات جزافا"  .

تفجيرات الريحانية تأتي بعد أيام فقط على إتفاق أمريكي – روسي أعلن عنه أثناء زيارة وزير الخارجية الأمريكي – جون كيري – إلى موسكو ينص على حث طرفي الصراع في سورية على الجلوس إلى طاولة المفاوضات في مؤتمر دولي ترعاه الأمم المتحدة من أجل التوصل إلى حل سلمي للصراع الدائر في البلاد منذ أكثر من سنتين ، كما أنها تزامنت تقريبا مع تأكيدات تركية على إمتلاكها لأدلة دامغة ترجح إستخدام النظام السوري للإسلحة الكميائية ضد مقاتلي المعارضة والمدنيين تزمع تقديمها إلى الولايات المتحدة الأمريكية ولجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ، وهو ماأعلنه رئيس الوزراء التركي في حديث أدلى به إلى قناة م بي سي الأمريكية بالقول أن نظام الأسد "تجاوز منذ وقت طويل الخط الأحمر" الذي كان سيد البيت الأبيض أعلن أن تجاوزه "سيغير قواعد اللعبة"  مؤكدا على أن بلاده تدعم بقوة فكرة إنشاء منطقة حظر جوي في سورية للتخفيف من تدفق اللاجئين السوريين إلى دول الجوار بما فيها تركيا التي تحولت إلى ملجأ إلى مايزيد على 300000 لاجئ سوري بما يفرزه ذلك من مشاكل إقتصادية وإجتماعية وسياسية تتفاقم مع مرور الوقت ، علاوة على أن الحادثة الدموية هذه تأتي أيضا عشية الزيارة المرتقبة لأردوغان إلى واشنطن في السادس عشر من الشهر الجاري والتي يتوقع أن يشغل الوضع في سورية الحيز الأكبر من المباحثات بين الطرفين الحليفين ، بالإضافة إلى قضايا أخرى من أهمها المفاوضات التي تجريها الحكومة مع حزب العمال الكردستاني من أجل ماتقول تركيا الرسمية أنها تستهدف "وضع حد للإرهاب الذي يضرب بأطنابه البلاد منذ عقود وإيجاد حل للقضية الكردية" وهي الجهود التي رحب بها حلفاء تركيا التقليديين في الولايات المتحدة والإتحاد الأوربي.

وزير الخارجية التركي الذي يتواجد الآن في ألمانيا في زيارة رسمية أعلن من هناك أن بلاده "تحتفظ بحق اللجوء إلى كافة الخيارات" ردا على تورط سوري محتمل في أحداث الريحانية إلا أنه إستبعد ، على الأقل حاليا ، فكرة الدعوة إلى إجتماع طارئ لحلف الناتو الذي تشارك فيه تركيا كعضو فعال لبحث كيفية الرد على النظام السوري مكتفيا بالتحذير من "إختبار صبر تركيا"  وبأن "الوقت قد حان لكي يقوم المجتمع الدولي بتحرك ضد الرئيس السوري في ظل تزايد المخاطر الأمنية التي تتعرض لها تركيا وغيرها من جيران سورية".

من الواضح أن نظام الأسد يحاول عبر تدبيره لمثل هذه الأعمال الإرهابية أن يبرهن على أن بإمكانه نقل الصراع الدموي الذي ماأنفك يأخذ طابعا طائفيا إلى الدول المجاورة وذلك في محاولة منه لزعزعة إستقرار المنطقة التي تحتل أهمية إستراتيجية في سياسات الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية ، كما أنه يحاول إحراج حكومة أردوغان التي لاتخفي تعاطفها مع المعارضة السورية التي تعمل من أجل إسقاط  نظام آل الأسد  ، مراهنا على أن  تركيا لاتستطيع التحرك لوحدها للرد على إستفزازاته ، وأيضا من أجل إثارة الرأي العام في تركيا ضد سياسة الحكومة ونقل الصراع الطائفي إلى الداخل التركي. ورغم أن أردوغان إستبعد منذ اللحظة الأولى إحتمال اللجوء إلى الرد العسكري المباشر على العملية الدموية في الريحانية ، إلا أنه ، وفي حال فشل مساعيه الرامية لإقناع حلفاءه الغربيين بالعمل المشترك من أجل إيجاد مخرج سريع للمعضلة السورية ، نقول أنه قد يجد نفسه تحت الضغط الشعبي المتزايد ، خاصة في حال إستمرار إستهداف الداخل التركي من جانب نظام الأسد أو عملاءه في الداخل ، إلى العمل بصورة منفردة صد الطغمة الحاكمة في دمشق مما قد يجر المنطقة كلها إلى حرب إقليمية شاملة مما قد يترتب على ذلك من عواقب وخيمة ، وهذا الإحتمال ، رغم أنه إحتمال ضعيف للغاية ، إلا أنه يظل واردا على أية حال ، ولكن يجب قبل ذلك أن نرى ماالذي يمكن أن يحصل عليه أردوغان من الإدارة الأمريكية أثناء زيارته المرتقبة إلى واشنطن يوم الخميس القادم.

عدنان بدرالدين - النرويج

 

 

The Best Bookmaker Betfair Review FBetting cvisit from here.

باخرة الكورد - كوردية - شاملة - مستقلة
المقالات والآراء المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
gemyakurda@gmail.com